السبت 23 يناير 2021
12:05 م
رئيس مجلس الإدارة
د / سمر أباظة
رئيس التحرير
حسين يوسف
الدكتور أحمد إبراهيم
الدكتور أحمد إبراهيم

هم أبطال أفذاذ، قصصهم عبرة وقدوة وتخليدا لسيرتهم العطرة، التى ستظل تذكرها كتب الفخر وسجلات التاريخ، ويكفى أنهم أحياء عند ربهم يرزقون كما أخبرنا بذلك الله سبحانه وتعالى حيث قال في كتابه العزيز ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾].

وكذلك كما أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ((ما من عبدٍ يموتُ، له عند الله خيرٌ، يحبُّ أن يرجع إلى الدُّنيا وأنَّ له الدُّنيا وما فيها إلاَّ الشَّهيد؛ لما يرى من فَضل الشَّهادة؛ فإنَّه يسُرُّه أن يَرجع إلى الدُّنيا فيُقتل مرَّةً أُخرى))؛ الترمذي، حسن صحيح.الشهيد النقيب محمد عبده.. ملحمة جديدة لبطولات القوات المسلحة في حماية الوطن.

التقينا مع الأم الصابرة أمل المغربى ،والدة الشهيد محمد أحمد عبده، حيث فتحت لنا قلبها وقالت: "ياريت أبقى شهيد" كان هذا الحلم هدفه.. و"لا إله إلا الله" كانت آخر ما نطق به

"ألو يا ماما لأ خلاص آخر كلام هاجي بكرة"، تلك كانت كلمات محمد لوالدته في آخر مكالمة هاتفية له، بعد تأجيله نزول الأجازة لمدة 3 أسابيع، فآخر أجازة زار أسرته فيها، قبل رمضان بسبعة أيام.

وتضيف والدته والدموع تترقرق فى عينيها:" كانت مكالمة "غريبة"، كانت عادة محمد الاختصار في المكالمات، نظرًا لطبيعة عمله، بينما في مساء يوم الثلاثاء، في الثانية عشر صباحًا، تحدث إلى والده ثم طلب التحدث إليها، على غير عادته أيضًا، فلطالما كان يرسل لها السلام عبر أبيه، ولكنه فاجأها بعبارة "اتكلمي يا ماما عايز أسمعك أنت.. احكيلي عملتوا إيه النهاردة".

تحكي أم الشهيد، أن محمدًا لم يخبرهم بانتقاله إلى سيناء، حيث قال لهم أن مكان خدمته فى الإسماعيلية، خوفًا على حزنهم، كأي أمٍ تخشي على ولدها، ولكنه ظل يطالب بالانتقال إلى سيناء منذ تخرجه، إلى أن انضم إلى أسود القوات المسلحة بسيناء في 2014.

يوم استشهاده في 1 يوليو 2015 والموافق 14 رمضان، كانت الأسرة قد تهيأت وجهزت الأم المائدة لفلذة كبدها، إذ هم يسمعون بخبر الهجوم على كمين في سيناء، ويطمئنون بعضهم بأن ابنهم في الإسماعيلية، دون أن يدرون أنه من ضمن شهداء الكمين.

"عرفنا الخبر من الفيسبوك"، هكذا أوضحت أم الشهيد البطل، أن ابنها مازن الطالب بكلية الحقوق، شاهد صور استشهاد أخيه، في كمين الشيخ زويد، على فيسبوك ، فنزل الخبر كالصاعقة، وقالت الأم الصابرة والمثابرة "إنا لله وإنا إليه راجعون.. ربنا اصطفى ابني وكرمه"، ثم يؤكد لها النبأ الحزين، مجموعة من زملائه الذين ذهبوا ليخبروها بأن تحتسب ابنها شهيدًا عند الله.

وتابعت الأم المكلومة: " زعلانة من جوايا على محمد حتى اللبس مكنتش بقدر أغير غالبيته أسود وأحيانًا أبيض"، تروي الأم أن حزنها لم يكن لاستشهاده، بل الحزن على الفراق طيلة الحياة، فقد كان محمد "حنية الدنيا فيه وطيب وشهم وراجل" والكثير من الصفات به ليست متواجدة في هذا الزمان.

"كان طول عمره شجاع" تسرد أم الشهيد، أن ابنها منذ طفولته وهو كان شجاعًا مقدامًا، ويحب المغامرة وتجربة كل ما هو جديد، لربما كان هذا نتاج زرع أبيه فيه الروح الوطنية، إذ تمنى والده أن يلتحق بالكلية الحربية بينما لم يحالفه الحظ، وحينما تحقق حلم الأب في الإبن كانت "فرحة الدنيا" لوالده، حتى قال لوالدة الشهيد "لو أعرف إن ربنا شايلها لابني مكنتش زعلت أبدًا".

تؤكد والدة النقيب الشهيد، أنه دومًا ما كان يتحدث عن حلم الانتقال إلى سيناء، وترديده الدائم "ياريتني كنت معاهم في سينا، هو حد يطول يبقى شهيد..ياريت أبقى شهيد" حتى انطلقت جملته التي ذاع صيتها في مصر "سينا احنا واخدينها في حضننا عشان لو معملناش كدة هتلاقيهم تحت بيتك".

"القائد قالي ابنك ده يوم القيامة هيعد كل اللي قتلهم وهيشوفهم قدامه.. أنا مكنتش عارف لولا وجود محمد اليوم ده كان إيه ممكن يحصل"، تحكي أم الشهيد أن قائده كريم بدر، يسرد بطولات محمد دائمًا فكان يقول "محمد كان يمشي بالليل وهو ميشوفش صباع إيده من الضلمة، ويروح بيت الإرهابي يستناه فيه، ويجيبهولي تاني يوم الصبح عايش"

"كان مجهز شنطته ومعاه تصريح الأجازة..بس قالهم 3 دقايق استحمى..عايز أروح لأهلي نضيف"، تلك كانت الكلمات الأخيرة قبل معركة استشهاد النقيب محمد عبده، بعد أن انتهى وكان على حافة الخروج، سمع استغاثة زملائه من هجوم على الكمين، والمطالبة بقوات تعزيزية، "ابني مفكرش في أي حاجة غير بلده وعرضه"، لم يتردد الإبن الشجاع في إلقاء حقيبة سفره، والإنطلاق نحو الدبابة "كان بيعشق الدبابة" والقائد يصيح "يا محمد إرجع أنت أجازة"، ليرد محمد بثبات وبقوة وبسالة هي المعهودة على خير أجناد الأرض "مش هرجع يا فندم.. مش راجع يعني مش راجع".

وتتابع الأم متمالكة دموعها التي يتمزج فيها الفخر بشهيد مصر، والحزن على الفراق، دخل إلى الدبابة وتملك من دانتها، وأخذ يصوب أهدافه المحددة نحو الإرهابيين، ينثرهم أشلاءًا من حوله، حتى أصيب في صدره، ولكن هيهات أن يترك دانته، ويصيح القائد "انزل يا محمد كفاية .. اخلي يا محمد"، ليرد البطل "النهاردة اليوم يومي يا فندم"، ليستمر في الضرب، حتى أنه حين نفذت الذخيرة، فارق دبابته وأخذ يفتك بالعناصر الإرهابية بسلاحه الشخصي سائرًا على قدميه، إلى أن حددوه هدفًا واغتالوه بصاروخ آر بي جي.

"ابنك شاف منزلته في الجنة" هكذا قال حسين رفيقه الذي مات محمد في أحضانه، كان يقول "لا إله إلا الله"وهو باسم الثغر وكأنه رأى منزلته في الجنة في أعلى الدرجات.

أضف تعليق

الأفكار الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها فقط